صالح أحمد العلي

34

سامراء

أساليب التنفيذ : لم يقم المأمون بنفسه بتطبيق المحنة ، ولم يعد إلى بغداد لمتابعتها ، ولعله كان يدرك ضعف خطرها في تهديد خلافته ، وأوكل مهمة متابعتها إلى إسحاق ابن إبراهيم المسؤول عن إدارة بغداد والذي لم يعرف عنه اهتمام خاص بالكلام وعلوم الحديث والسنّة ، أو أي موقف من أهلها . لم ينشأ ديوان خاص لمتابعة تنفيذ الفكرة كالذي فعله المهدي مع الزنادقة ، وإنما أوكلت محاسبتهم إلى القضاة الذين غالب اختصاص عملهم ما نسميه اليوم المعاملات والأحوال الشخصية ، وليس أمور العقائد الكلامية ، علما بأن رئيسهم يحيى بن أكثم كان يرافق المأمون في رحلاته ، ولم تكن إقامته الدائمة في بغداد ، وأن عدد قضاة بغداد الرسميين ثلاثة : قاض لكل من مدينة المنصور ، والشرقية والكرخ ، والرصافة والجانب الشرقي . ولم تذكر المصادر تدابير أمنية أو أي عمل اتخذ لملاحقة معارضي فكرة خلق القرآن ، أو للقضاء على سيطرتهم على الرأي العام وإضعافها ، وهو الهدف الأكبر الذي كان يرمي إليه المأمون كما يتجلى من كتابه ، ولم تذكر الأساليب التي تتبّعها المسيطرون على توجيه الرأي العام وتحويل القضايا الكلامية إلى توجهات سياسية ولا مدى سيطرتهم على هذه التوجهات وعمق آثارها في عموم الناس . إن كتاب المأمون واضح . هو تفكيك السيطرة السياسية على أفكار الجمهور الأكبر والسواد الأعظم ، وهي سيطرة لا تتسق مع دعم الخليفة ، وإنما قد تهدد هيمنته بما تحدثه من اضطرابات قد تصل حدّ الثورة عليه وخلعه ، غير أن كتاب المأمون لم يحدد المطامع السياسية التي يعتنقها المسيطرون ، وهل هي مجرّد الحد من سلطانه أو حمله على إجراء تبديلات جذرية في الإدارة وأفكارها ، أم الإعداد لبديل عنه شخصيا أو عائليا ، وهل تعبّر سيطرتهم عن أهداف محددة واضحة ، ووحدة فكر ، أم أنها مجرّد مواقف عامة غامضة المعالم والحدود . علما بأن التجارب السابقة التي مرت بالدولة العباسية أظهرت أن الشعارات لا تكفي لإزاحة الحكومات ، وأن الحركات الثورية المتناثرة مهما كان عنفها فإنها